نور الدين مجدي @nour_eldeen_magdy

2016-06-10 09:49:50 للعموم

مراجعة لكتاب تقرير إلى غريكو

أي نسائم بهجة صافية هبت علي من هذا الكتاب !!
وكأني أتجرع روح كازنتزاكس..
ذلك الشقى !!
أستطاع أن يحيى إلى الأبد بين دفتي كتاب..
كازنتزاكس أديب وفيلسوف يوناني كبير.
إذا أردت أن تقابله..أن تحادثه ويحادثك .. أن يخبرك بتفاصيل هواجسه ووساوسه..
أفكاره وصراعاته الفكرية ..فليس عليك إلا أن تفتح الكتاب لتجده شاخصاً أمامك بروحه وقلبه.
كأن الكتاب باب سحري ينفذ إلى مكان وزمان وحياة كاملة كاملة لشخص أخر يشبه ذلك الباب في فيلم
Being john malcovech
ستفتح الكتاب لتجد نفسك داخل عقله وقلبه وتحت جلده !!
ترى بعينيه وتسمع بأذنه وتفكر بخلايا مخه وتشعر بخلجات فؤاده..
حياة كاملة عشتها بهذا الكتاب..
أحب كثيراً ذلك الشعور الجيد الذي ينتابني عند قرائتي للسير الذاتية والذي يشبه -كما أظن-ذلك الشعور بالرضا عندما يمتص دراكولا دماء ضحيته..أو عندما يقوم كائن أسطوري ما بأكل أرواح ضحاياه.
البهجة الصافية النابعة من صدق المؤلف مع القارئ في مشاركته أسراره وأسئلته وأدق تفاصيل حياته العاطفية والفكرية..
هذا هو الكتاب الثاني لكازنتزكس الذي أقرأه وللمفارقة كان الكتاب الأول (تصوف-منقذوا الآلهة) يحتوي على بواكير أفكاره الفلسفية ورؤيته للعالم في مطلع مسيرته الأدبية..أما التقرير فقد كتبه في نهاية حياته.
ووجدت أن كازنتزاكس كان شديد الإخلاص لأفكاره الذي بدأ بها وعاش بها..
وكأن الكتاب الأول كان النظرية وهذا الكتاب هو التفصيل والعرض والتجربة والنتيجة !
هناك عدستان يرتديهما كازنتزاكس طوال الوقت ينظر للعالم من خلالهما..المسيحية (المسيح) والميثولوجيا الإغريقية (هوميريوس)..عاش بهما وكتب بهما تقريره إلى جده (إل غريكو).
وعندما تتوحد معه..عندما يطرح نفس أسئلتك وتشعر بحيرته واضطرابه الذي لا يختلف عنك كثيراً..حينها يأخذك من يدك لرحلة..رحلة صعود..الصعود إلى أين ؟!
رحلة صعود تمتد خلال عمر كازنتزاكس بالكامل ..وهناك أربع عتابات أو محطات لهذا الصعود
(المسيح – بوذا - لينين - أوديسيوس) ولا يمكن إغفال دور نيتشه في صعوده وتكوين ذوقه وحياته الفكرية..
لم يستطع كازنتزاكس قط أن يرى المسيحية تماماً كما يراها المؤمنون..على الرغم من نشأة كازنتزاكس وسط بيئة مسيحية أرثوذكسية متمسكة بالدين وقد زاد من حدة هذا التمسك أن كريت وقتها كانت لا تزال تابعة للحكم العثماني المسلم..وربما لهذا السبب ولإحساسه بالعداء الفطري تجاه المحتل الذي يحاربه ويسعى للتخلص منه لم يلتفت كثيراً للفكر الإسلامي ومع ذلك فهو يحمل ذكريات حميمية لجيرانه الأتراك وللتكيات التي كانت موجودة حين إذ..لكنه استخلص من معاناة المسيح قيمتين هامتين هما الكفاح والصعود !
لكن المسيح/الدين لم يكن كافياً فتركه وصعد.
اصطدم في باريس بنيتشه..عدو المسيح..الشيطان بدمه ولحمه.
علمه نيتشه ألا يثق بأي نظرية متفائلة..وأن عليه أن يرفض العزاءات كلها الآلهة والأوطان والأخلاق.
أخبره أن الحقيقة مميتة ولكنها أسمى من كل الكذبات.
وأن الإله قد مات وحان الوقت للإنسان المتفوق(السوبرمان) أن يستلم زمام الأمور..ذلك هو الحل.
أصابت تعاليم نيتشه كازنتزاكس بالدوار..لم يفق إلا عندما رأى السوبرمان يضرب بالطائرات في الحرب العالمية الأولى..حينها أدرك أن نيتشه قد أخطأ..سار نيتشه في الطريق الوعر وحده وعندما نظر للهاوية في عينيها مباشرة أصابه الجنون..كان الوقت قد فات على أن يستعيد كازنتزاكس قدرته على الرجوع للإيمان المسيحي التقليدي.نظر للوراء خلسة وقلبه ينبض من فرط الإثارة والقلق وهو يدرك أن هناك درجات أخرى يجب أن يكافح ليصل لها..فتركه وصعد.
كان بوذا هناك في الأعلى يرمق الأفق بنظرة صافية ويبتسم وهو يمد يده لمن يطلب المساعدة في وقار.
وجد كازنتزاكس أن بوذا بذهنه المتوقد وروحه الطاهرة قد رأى التفاهة -على حد تعبيره- رأى بوذا دورة الحياة..رأى الآلهة تتناثر كالرمال وسط الريح فامتلأ بالشفقة على نفسه وعلى الموجودات.
هناك الكثير من الألم في هذا العالم. فاعتزله.
وأوشك كازنتزاكس أن يترهبن..إلى أن قابل تلك الفتاة الألمانيا الشيوعية.أهانته ووبخته وجعلته يزور أحياء البروليتاريا الفقيرة..شعر كازنتزاكس بالخزي والعار من غرقه في تأملات وصراعات فلسفية مجردة وأمامه كل هذا العذاب البشري من اللحم والدم والعرق.
لم يروي بوذا ظمأه فقد كان يحتاج شيئاً أكثر مادية وعملية من تعاليمه.فأشاح بوجهه عن بوذا وهو يضطرب.وتركه ليكمل رحلته ويصعد.
وجد ما كان يرنو إليه هناك في روسيا عند لينين..
ما الفائدة من معرفة الله أو عدمه مع وجود كل هذا الظلم والجوع وكل هذه المآسي والعذابات ؟!
هكذا قال لنفسه كازنتزاكس وهو يرى الشتاء القطبي والكنائس والكرملين أثناء احتفال الشعب الروسي بذكرى الثورة. سحرته روسيا وشعر أن كفاحها كفاحه وأنهما يصعدان معاً..كان منبهراً بلينين..لكن استالين خيب آماله..عندها شعر كازنتزاكس بالتعب فقرر العودة إلى وطنه..فترك روسيا وصعد.
كان أمامه يلهو يرقص لم يقرأ كتاباً قط على الأرجح ويهزأ من كل شيء. إنه زوربا.
وجد أخيراً كازنتزاكس ضالته في هذا الشخص..وجده وقد انسجم مع العالم.
كان أب وصديق. قال في نفسه إن زروبا هو الحل..وعندما مات حزن عليه حزناً شديداً. وكتب العمل الأدبي الشهير خوفاً عليه وحفظاً له وتخليداً لوجوده.
كان أوديسيس هو أخر عتباته التي صعد عليه. الإنسان الماكر في مواجهة الآلهة ولكنه أيضاً التائه العائد إلى وطنه أخيراً.
شعر كازنتزاكس بأن عليه واجب يجب أن يؤديه لم يعرف ما هو بالضبط..لكنه لم يكن يقدر على فعل أي شيء أخر سوى الكتابة.. كان أحياناً يشعر بالخزي عندما يتذكر أباه وأجداده المحاربين. ولكن كانت الكتابة هي خلاصه.
فشرع في كتابة مذكراته ولكنه لم يعرف من يٌخاطب ؟!
أيخاطب نفسه ؟!
الإله الذي بحث عنه ولم يتبينه علة وجه اليقين على الرغم من اعتقاده أنه كان معه وانه بحث عنه بينما كان ينظر إليه مباشرةً !
أباه الذي كان يحترمه ويخشاه وشعر بالحرية عندما مات.
أم النساء اللاتي أحبهن وتأثر بهن أكثر من أي شيء أخر.
أم وطنه..
لم يجد كازنتزاكس سوى جده الرسام ( إل غريكو). صحيح أن هناك قرنين من الزمان بينهما إلا أنه شعر أنه سار في نفس الطريق وأنه وحده من يستحق أن يقدم له التقرير.
مات كازنتزاكس في ألمانيا ونقل رفاته في النهاية لكريت بعد أن رفضت الكنيسة الأرثوذكسية تشيعه وكُتب على قبره بناءاً على وصيته مقولة لطاغور كما أعتقد : "لا آمُل في شيء، لا أخشى شيءًا، أنا حر"
يبدو أن كازنتزاكس لم ينل الوقت الكافي لإنهاء تقريره كما أراد..ولكن زوجته الأخيرة جمعت رسائله ومذكراته ليصبح التقرير كما هو الأن..رحلة صعود.
أكان الصعود إلى الخلاص أم الهاوية ..لله أم هو فقط الموت !!
تسير خلفه وهو يصعد بك لقمة الجبل أو لأعلى ما استطاع هو أن يصل. ستنظران معاً للهاوية ثم سيجعل من نفسه درجة أخر أو جسر لصعودك. ويودعك!
هذا هو الواجب الذي ظل يبحث عنه ودأب على فعله حتى موته.
تقرير إلى غريكو
"تقريري إلى غريكو" ليس سيرة ذاتية، فحياتي الشخصية لها بعض القيمة، وبشكل نسبي تماماً، بالنسبة لي وليس بالنسبة لأي شخص آخر، والقيمة الوحيدة التي أعرفها فيها كانت في الجهود من أجل الصعود من درجة إلى أخرى للوصول إلى أعلى نقطة ..
تحميل ..