رشيد أمديون. أبو حسام @ramed

2019-06-17 20:40:40 للعموم

مراجعة لكتاب جماليات الخطاب السردي، قراءات في قصص "ألق المدافن" للقاص رشيد شباري"

تباين الثيمات في قصص «ألق المدافن» للقاص رشيد شباري
بقلم: د.عز الدين معتصم/ القدس العربي


ولج المبدعون في المغرب، في العصر الرَّاهن، منعطفا حاسما أعلنوا فيه الاهتمام بالجانب الروحي للإنسان، ولا يشذ الراحل رشيد شباري عن هذا النهج، إذ نلفي منجزه السردي الموسوم بـ»ألق المدافن» يشتمل على أربع عشرة قصة، تتضمن جملة من الثيمات الرامية إلى الاتصال بجوهر الوجود وباطنه، الذي يوحي بالقداسة والسمو، وكلها موضوعات في غاية الدقة والعمق، إذ حفزت ثلة من النقاد على مقاربتها ضمن كتاب جماعي صدر عن الراصد الوطني للنشر، والقراءة بعنوان «جماليات الخطاب السردي في قصص «ألق المدافن» تقديم فاطمة الزهراء المرابط.

محاور الكتاب

جاء المقال الأول في الكتاب موسوما بعنوان «اشتغال المتخيَّل السردي في «ألق المدافن» إذ تتبع فيه الباحث سعيد موزون، كيفية اشتغال البناء القصصي لمحكيات «ألق المدافن» في محطاته الكبرى وبنياته السردية العميقة، على سلطة التخييل وحضورها البارز واللافِت كاستراتيجية سردية يتشيد بها معمار النصوص القصيرة. أما المقال الثاني فقد جاء بعنوان «السردي وفلسفة الوجود الإنساني في ألق المدافن» تتغيا كاتبته شيماء أبجاو رصدَ الوعي الكتابي ورهان السؤال الوجودي، كون مفهوم الوعي الكتابي يرتبط ارتباطا وثيقا بالذات، التي تشكل جدلية مع الآخر ومع العالم. وجاء المقال الثالث بعنوان «البعد الصوفي في ألق المدافن»، حيث انطلقت مساءلة الباحث عز الدين المعتصم، فيه لموضوع التصوف، إذ يمثل اللجوء إلى التجربة الصوفية، كممارسة إبداعية أو فلسفية لرؤية الكون، مظهرا من مظاهر حداثة الفن القصصي في المغرب، حيث يعمد القاص إلى استلهام التجربة الصوفية، بهدف إضفاء الطابع الشعري والبعد الرمزي على عمله الإبداعي.

أما المقال الرابع للباحث رشيد أمديون، فجاء موسوما بعنوان «ملامح النزعة العبثية واللاجدوى في ألق المدافن» وكان أكثر دقة في محاولة تحديد مفهوم الأدب العبثي، الذي يقوم على ثنائية متلازمة وهي الحياة والموت. وجاء المقال الخامس بعنوان «أسئلة الكتابة وحدود الشخصية المبدعة قراءة في (ألق المدافن)»، ليؤكد فيه الباحث محمد دخيسي على أن الراحل رشيد شباري نهج في منجزه السردي طريقة الكتابة المتحررة من قيود الوقائع والأحداث. أما المقال السادس فقد اختار له الباحث عبد الله استيتو عنوان «تقاطع الأدبي والفلسفي لثيمة الموت في ألق المدافن»، حيث أكد على تداخل وتعالق الفلسفة بالظاهرة الأدبية مشيرا إلى أن الفناء/الموت شكل حيرة وتوترا للإنسان انطلاقا من الفكر الأسطوري.

وتمحورت الدراسة السابعة المعنونة بـ»ألق المدافن دراسة تناظرية من العنوان إلى النص الموسع» للباحث جامع هرباط حول اللغة الرمزية التي تستدعي قارئا جادا، يكد عقله ويعمل فكره بهدف سبر أغوار «ألق المدافن»، باعتبارها بنية معقدة حافلة بالدلالات والإيحاءات الرمزية. أما بخصوص الدراسة الثامنة والأخيرة الموسومة بـ»شعرية الضحك والسخرية في ألق المدافن» فقد حاول الباحث عبد الكريم الفزني من خلالها تتبع السخرية والضحك في المجموعة القصصية (ألق المدافن) باعتبارهما من مرتكزات شعرية قصص المجموعة، وتتبعهما هو رصد لخصائص اللغة التي تتشكل منها أركان القصص المتمثلة في البنية والمعنى، وما ينجم عنهما من دلالة وإيحاء. ومن هنا يتضح بجلاء أن الدراسات المنجزة حول خطاب «ألق المدافن» تحبل بثيمات متباينة أهمها: الجمال والفناء والكون.

سمو الجمال

من شأن قراءة متأنية لجماليات الخطاب السردي في «ألق المدافن» للراحل رشيد شباري، أن تجعلنا نخرج بفكرة مفادها السعي الحثيث لدى الباحثين والنقاد إلى خلق توليفات لغوية، تهدف إلى تعضيد رمزيةِ النصوص السردية وتكثيف رؤيتها الشعرية. منها حضور الجمال باعتباره مَلَكَةً طبيعية. وجدير بنا أن نشير إلى أن الحس الجمالي -حسب الباحثين- هو الذي جعل المبدع يُفْتَنُ بكل الموجودات الطبيعية وعلى الخصوص المرأة، يقول في قصة ضيوف: «ومن لا يهفو بسيِّدةِ الحسنِ والجمال، في زمن شُحَّ فيه الجمالُ حتى أُعْلِنَ رسميا عن إلغاءِ مسابقةِ ملكةِ جمالِ العالم».

إن التخييل السردي هو، في الأساس، موقف رؤيوي من العالم لا مجرد تقنية فنية، وبهذا فإن تعبيرات وتراكيب مثل: (سيدة الحسن والجمال، ملكة جمال العالم) هي تعبيرات رؤيوية وتخييلية، في الآن نفسه. إن الجمال يتجسد في جميع أسرار الكون ومكونات الوجود، ومن يُرَوِّض نفسه على هذا الوجه في الحب، فيتأمل الأشياء الجميلة متدرجا بينها وفق مراتبها الوجودية، يصل عندئذ إلى التَّحققِ بغاية الحب. وقد خلُص النقَّاد إلى أن السارد في «ألق المدافن» مشتاق إلى الجمال الذي يبرز الرغبة في ولوج عالم الكشف ثم المشاهدة، وتوَّاق إلى شراب العاشقين ليبلغ طربَه وشطحتَه الصوفية.

رمزية الفناء/ الموت

نستشف من دراسات الباحثين عبد الله استيتو وشيماء أبجاو وعز الدين المعتصم أن المبدع يغيب عن عالم المخلوقات والحياة، ليدخل عالم «المعرفة الحقيقية»، ليستنتجوا أن رشيد شباري ينهل من تجربة روحية تنطلق من المحسوس إلى المجرد، وترتبط ارتباطا وثيقا بسلوك معرفي. يقول الراحل في قصة الفاتحة: «إنِّي لم أَمُتْ، وإنَّما هي هجرةٌ أَطَهِّرُ بِهَا نفسي من شرورِ آدميتي، لأعاشرَ حيواتٍ أخرى استطلاعا لجوهرها غيرِ المُدْرَكِ، وعودةٍ بثقلٍ من كمدٍ لا يَقِلُّ عمَّا يَعْتَرِي سَائِرَ البَشَر».

يتضح بجلاء – من منظور الدارسين- أن السارد يغيب عن الواقع المحسوسِ ليلج عالم الحقيقة التي تُشْرِقُ في قلبِ العارف. الأمر الذي يجعلنا نلمس تداخلا قويا بين ثيمَتَي الغيبة والموت «تَمَلَّكَنِي إِحْسَاسٌ بالغثيانِ يقبضُ على أنفاسي بقوةٍ فتعتصر أمعائي ويَعْتَرِينِي دُوَارٌ في الرأس، فيتهاوى الجَسَدُ في الهروب، وتقتحِمُني غَيبُوبَةٌ مُمِيتَة، لم أستطعْ تقدير مدَّتِها، أسبوعٌ أو شهرٌ أو سَنَة، لست أدري».

ومن هنا نفهم سبب اعتبار الباحثين الموت أصلا من أصول الإبداعِ الروحي الذي يصبو إلى الصفاءِ والطهارة، لنقرأ في قصة الفاتحة: «يراودني شُرودُ الموتِ، وتنسَدِلُ ستائرُ الغَشَاوَةِ على عيني، ويتحَلَّق اللفيفُ حولي، وأنا النَّائِمُ النَّاقِمُ الحَالِمُ القَابِضُ بتلابيبِ الحياة، أستعيد ُروحي بالكَادِ، وأفتحُ عيني».

نستنتج أن خطاب «ألق المدافن» يعد فضاء امتزج فيه فعل العشق الخالد بفعلِ الموت. وهذا ما يتضح في قصة وجدان غيمة، التي يقول فيها القاص:»الشرفة المطلَّةُ على السمواتِ تُحَرِّضُكَ على القيامِ بتجربةِ الموتِ، بالارتماءِ في أحضان الترابِ، وهو مَرْقَدُكَ الأخيرُ بالإكْرَاه». هناك تلازمٌ كبيرٌ في الذاكرةِ الشعبيةِ والعالِمة بين الحبِّ والموت، ، لهذا يمثل الفناء تجربةً إبداعية.

٭ كاتب مغربي
https://www.alquds.co.uk/تباين-الثيمات-في-قصص-ألق-المدافن-للق/

جماليات الخطاب السردي، قراءات في قصص "ألق المدافن" للقاص رشيد شباري"
كتاب يضم عدد من القراءات التي أنجزت في العمل الأدبي "ألق المدافن" للكاتب رشيد شباري. شارك في هذا العمل ثلة من الباحثين والمبدعين المغاربة: سعيد موزون، شيماء أبجاو، عز الدين المعتصم، رشيد أمديون، محمد دخيسي، عبد الله ستيتو، ..
تحميل ..