Salma Eltawel @salmaeltawel

2017-09-22 13:13:12 للعموم

مراجعة لكتاب كائن لا تُحتمل خفته

تدور أحداث الرواية عن الطبيب توماس متعدد العلاقات الذي يصادف تيريزا فيحبها ويقرر الزواج منها ويرى أنه لا تعارض بين محبته له واستمرار علاقته بنساء أخريات والذي يواجه مشاكل في عمله بسبب خواطر سياسية طرأت له فنشرها في جريدة مما أدى لإنهاء حياته كطبيب وانحداره ليعمل منظف زجاج ثم سائق شاحنة، ولدينا كذلك صديقته الرسامة سابينا التي تصف حياتها بأنها سلسلة من الخيانات المتكررة لأهلها وأفكارهم وللأرض التي جاءت منها والتي تحب فرانز ولكنها تتركه فور أن يقرر الزواج بها

كل ذلك في إطار دخول الروس إلى تشيكوسلوفاكيا وسيطرة الشيوعية عام 1968 والحرب وما يتبعها وتأثيرها في الدولة التي لا يعلم معظمنا عنها الكثير.

زمن الرواية حوالي 12 عاما جزء منها – الخاص بتوماس وتريزا - في براغ عاصمة التشيك وجزء في زيوريخ بسويسرا ثم عودة إلى براغ ثم قرية ريفية، أما سابينا فتكون ببراغ في الجزء الأول ثم سويسرا ثم نجدها تتجول في عدة دول أوروبية وأمريكا

يدير كونديرا في تلك الرواية صراعا دائما بين الخفة والثقل أيهما أفضل وأيهما يجب أن يختار المرء ثقل المسئولية أم خفة الحرية، ثقل الالتزام بالمبدأ أم خفة التخلص منه، وهل أنت قادر حقا على تحمل نوع الثقل الذي اخترته؟ أم أن التخفف منه كان أولى بك منه؟ وبين الحيرة في أي الأمرين أثقل وأيهما أخف

فتوماس على سبيل المثال كان شغوفا بشدة بعمله كجراح إلى حد أن (يتملكه اليأس ولا يعود قادرا على النوم إن فشلت إحدى عملياته) فيكون الاستنتاج المنطقي هنا أن يموت توماس غبنا إن تم إجباره على التخلي عن مهنته، إلا أن العكس هو ما حدث فحينما تخفف منها وعمل منظفا للواجهات الزجاجية شعر بأن عمره صار أصغر عشر سنوات وصار مستمتعا بالاستشارات الطبية الخفيفة التي تطلبها منه العاملات بالمحال وبمشاركة الشراب مع المثقفين المضطهدين الذين صاروا يعتبرونه واحدا فيطلبونه للعمل ظاهريا ولمجالسته والنقاش معه في الحقيقة

تيريزا زوجة توماس من أكثر الشخصيات تأثيرا بالرواية بداية من حياتها التعسة مع أم تكره أباها وتحملها مسئولية تلك الكراهية باستمرار ففي رأيي ليس أتعس من شخص يتعرض للأذى على يد أقرب الناس إليه

من المهين أن تخبر إنسانا أنه لا يملك ما يميزه عن سواه فهو مجرد حبة رمل أو ذرة غبار وسط ملايين مثله لذا فليس له الحق في الإحساس بشيء من الخصوصية لمجرد أنه هو وهذا ما كانت تفعله أم تريزا معها دوما حتى يصل الأمر بتريزا لأن تعتبر أن الحياة مع أمها هي حياة في معسكر اعتقال

وهل كان للتشابه الشكلي بين تريزا وأمها تأثير حين تأملت ملامحها أمام المرآة وتساءلت عما سيحدث إذا استطال أنفها مليمترا كل يوم؟ ثم إذا تغير شيء مختلف في جسدها كل يوم حتى تتغير تماما فمن ستكون تريزا الحقيقية الأولى أم الأخيرة وهل تنتمي أصلا إلى الجسد أم الروح

أما سابينا فقد كانت تعاني من خشية كل أنواع الثقل فتخففت من أبيها وأهلها ثم من زوجها ثم من وطنها والرجل الذي أحبته لقد خشيت حتى ثقل القبر عليها فأوصت بإحراق جثمانها وذر رمادها في الهواء، إلا أن كل تلك الخفة لم تكن أيضا لتسعدها فقد كانت تجد فراغا خانقا يحيط بها من كل الجهات فهي أوضح مثال على الكبد الذي خلق فيه الإنسان وحيرته الدائمة

وعلى عكس ما كانت ترى سابينا نفسها نجد فرانز ينظر إليها باعتبارها إلهة فيرقبها في كل تصرفاته حتى في غيابها ويفكر في (المخلوقات السماوية تعرف كل شيء وترى كل شيء، وسابينا ستراه فيما لو اشترك في هذه المسيرة و ستسر لذلك و ستفهم أنه بقي على وفائه لها.) حتى يموت وهو يظن أنه يفعل ما يرضيها

قبل أن تنتصف الرواية علمنا بنبأ وفاة توماس وتيريزا فصرت أقرأ بقية قصتهما وأنا على علم مسبق بموعد الموت ووسيلته، (هذان سيموتان قريبا) كانت تتردد في ذهني مع كل قطعة جديدة من قصتهما، أذكر منذ بضع سنوات سمعت فتاة تتحدث بالصدفة عن بطل مسلسل تليفزيوني عرف أنه مصاب بمرض خطير فتقول (يا بخته عرف إنه هيموت) فتساءلت في نفسي أليس من المفترض أننا جميعا نعلم أننا سنموت يوما ما فلماذا ننحي هذا الأمر جانبا كلما ورد إلى تفكيرنا ونتهرب منه.

أما عن فكرة العود الأبدي التي يصفها كونديرا بأنها خرافة فقد رأيتها من خلال الرواية حقيقية بدرجة مفزعة فالكثير مما حدث في التشيك منذ 50 عاما –زمن أحداث الرواية – نراه هنا في مصر بتفاصيل شديدة التشابه مثل:

- الأيام الأولى للحرب والتي فتنت تيريزا واستفزتها للتفنن في تصوير مشاهد المقاومة، ثم العداء والكراهية التي انتشرت بين الناس بعد سنوات قليلة فيقارن عقلها بين رفع النساء للعلم في الأولى وتشاركهن في مقاومة وبين رفعهن للمظلات في اليوم الممطر وإصرارهن على التعامل فيما بينهن بشراسة وتعمد التنافس على القوة، ألا يشبه ذلك تكاتف الناس أثناء ثورة 25 يناير ثم الروح العدائية التي صارت تهيمن على الجميع حاليا وتوجيه الحنق والغضب في الاتجاه الخاطئ دائما

- كلمات السفير في الحانة التي تعمل بها تيريزا: سيدة تيريزا، للشرطة مهام عدة. المهمة الأولى كلاسيكية ومفادها أن يسمعوا ما يقوله الناس وينقلوه لرؤسائهم.

والمهمة الثانية هي التهديد. يُظهرون لنا أنهم يضعوننا تحت رحمتهم ومرادهم أن نخاف. وهذا ما كان يبغيه رجلك الأصلع.

والمهمة الثالثة تعني بإعداد مواقف يمكنها توريطنا. ما من أحد عاد يهتم بأن نُتهم بالتآمر على النظام لأن هذا يزيد من تعاطف الناس معنا. لذلك يُفضلون العثور على حشيشة في قعر جيوبنا أو أن يثبتوا بأننا اغتصبنا فتاة في الثانية عشرة. ويُحضرون صبية لتشهد على ذلك.

ينصبون للناس أفخاخا ليستعبدونهم ويستغلوهم لنصب فخاخ للآخرين. وهكذا دواليك، حتى يجعلوا شعبا بأكمله منظمة هائلة للمخبرين.”

فهل يتشابه ذلك مع الكثير مما يحدث في مصر؟

وماذا عن تنزيه الرؤساء دوما عن الخطأ والعبارات المصرية الشهيرة (هو مظلوم اللي حواليه هم اللي وحشين – بيتصرفوا من وراه – أكيد ميعرفش اللي بيحصل مستحيل يرضى بيه) ألا يتشابه ذلك مع الوضع هناك والذي أشار إليه توماس في تفكيره "السؤال الأساسي ليس: هل كانوا عارفين؟ بل: هل هم أبرياء لأنهم غير عارفين؟ إن غبياً جالساً على العرش، أهو منزه عن كل مسؤولية فقط لأنه غبي؟؟

- خمس سنوات قد مرت على اجتياح الجيش الروسي لبلاد توماس ولم يكن الناس الذين يصادفهم في الشارع هم أنفسهم الذين كان يراهم في السابق فقد كان نصف أصدقائه قد هاجروا والنصف الآخر ماتوا ... ولكن الموت كان ينزل أيضاً بهؤلاء الذين لم يكونوا مضطهدين مباشرة . كان اليأس الذي ضرب البلاد مستأثراً بالأجساد وزارعاً الذعر فيها ينفذ أيضاً إلى الروح

مما ضايقني في الرواية أن كونديرا لا يتوارى كما يجب على الكاتب خلف شخصياته ويتركها تحرك الأحداث وإنما يطل علينا برأسه كل بضع صفحات مذكرا إيانا أن أولئك ليسوا سوى شخصيات من صنعه فيقوم بتحليل شخصياتهم تارة ويفسر أحلام تيريزا أخرى أو يقول مثلا متحدثا عن توماس “أشخاصي لا يولدون من أجساد أمهاتهم كما تولد الكائنات الحية، ولكنهم يولدون من حالة أو من جملة أو من استعارة، تحوي في داخلها برعم إمكان إنساني صميم يخيل لي أنه لم يتسن لي اكتشافه بعد، أو أنه لم يكتب عنه شيئًا يستحق الذكر حتى الآن”، أو في قوله "كنت قد أشرت في القسم الثالث من الرواية إلى سابينا عندما ....)

وأخيرا فبالرغم من ثراء تلك الرواية بالأفكار التي تحض على التفكير إلا أنني لم أحبها ولا أظنني قد أرغب يوما في معاودة قرائتها.

تحميل ..
هشام الغالي @iHicham
كتاب رائع، شكرا لك على هذه المراجعة
2017-09-25 17:06:32 1