salah bunahama @bunahama

2017-08-10 05:52:14 للعموم

مراجعة لكتاب حروب الظل

بيروت – ليندا عثمان:

في كتابه “حروب الظل” الحائز جائزة بوليتزر العالمية يقدم الصحافي والكاتب الأميركي مارك مازيتي تقارير مذهلة عن تحول الـ”سي. أي. ايه” بعد أحداث 11 سبتمبر الى آلة قتل سرية دولية. كتاب مازيتي مخيف ولابد من قراءته حسب جين ماير في النيويوركر.

الكتاب الصادر في بيروت عن شركة المطبوعات للتوزيع تضمن توطئة عن الحرب القصية, تزاوج بين الجواسيس, جواسيس رامسفيلد, رجال الخفاء والتآمر, ترخيص بالقتل, الطير الغضوب, بشتوني حقيقي, القاعدة, التزاحم على أفريقيا, الطبيب والشيخ وعناوين أخرى, كناية عن مداخل لحكاية كل جاسوس وكل عملية سرية قامت بها (سي, أي ايه) بواسطة الطائرات بلا طيار. في جميع أنحاء العالم وتحديداً في أفريقيا وباكستان والشرق الأوسط, اليمن, العراق وليبيا.

يعرف الكاتب بالشخصيات الرئيسة التي عملت بالوكالة المركزية للاستخبارات الأميركية (سي. أي. ايه) ومن بينها أسماء سمعنا بها مثل تشارلز آلن, كوفر بلاك, دنيس بلير, ويليام كايسي, دوان كلاريدج, رايموند دايفيس, مايكل هايدن, ليون بانيتا, ديفيد بتراريوس وجورج تينيت.

وفي وزارة الدفاع الأميركية أسماء معروفة منها: روبرت أندروز مساعد وزير الدفاع بالوكالة للعمليات الخاصة ما بين 2001 و2002, روبرت غايتس 2006-2011, ليون بانيتا 2011 و2013 ودونالد رامسفلد 2001-2006, الى آخرين.

مارك مازيتي يكشف معلومات خطيرة من داخل مكاتب (سي أي ايه) يبدأ من باكستان فعنصر القبعات الخضر السابق الذي جندته لـ(سي. أي. ايه) للمطاردة المنظمة في باكستان يمثل وجه وكالة التجسس الأميركية التي تبدلت بعد عقد من النزاعات في أمكنة بعيدة من مناطق الحرب المعلنة. ولم تعد الوكالة المركزية للاستخبارات جهاز التجسس التقليدي المتكرس لسرقة أسرار الحكومات الأجنبية, بل أضحت آلة قتل وتنظيماً تستهلكه المطاردة المنظمة, فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر, لاحقت أميركا أعداءها في حرب ظل, خيضت عبر العالم واستخدمت فيها “روبوتات” قاتلة وقوات عمليات خصوصاً, ودفعت المال لأنفار, لانشاء شبكات تجسس خفية, واعتمدت على ديكتاتوريين متقلبين, وعلى أجهزة استخبارات أجنبية لا يُعَوَل عليها, وعلى جيوش غير منظمة عملت بالوكالة, في المناطق التي لا تستطيع الولايات المتحدة ارسال قوات برية اليها, أرسلت شخصيات هامشية لتؤدي أدواراً أكبر من حجمها, بما في ذلك مسؤول كثير التدخين في البنتاغون, انضم الى شخصية في الـ(سي. أي. ايه) كان لها دور بارز في فضيحة ايران-الكونترا, لادارة عملية تجسس لم يعلن عنها في باكستان, ووريثة فرجينيا بلاد الأحصنة, أصابها هوس بالصومال وأقنعت البنتاغون باستخدامها لمطاردة عملاء القاعدة فيها, امتدت الحرب عبر قارات متعددة من جبال باكستان الى صحاري اليمن وشمال أفريقيا, ومن الحروب القبلية الجياشة في الصومال الى الأدغال الكثيفة في الفيليبين, وقد وضع أسس الحرب السرية رئيس جمهوري محافظ واعتنقها ديمقراطي ليبرالي أصبح مفتوناً بما قد ورثه. ورأى فيها الرئيس باراك أوباما بديلاً من الحروب الفوضوية والمكلفة التي تطيح حكومات وتتطلب سنوات من الاحتلال الأميركي, وبكلمات جون برينان, واحد من أقرب المستشارين للرئيس أوباما الذي عينه أخيراً مديراً للـ(سي. أي. ايه), فان أميركا باتت الآن تعتمد على “المبضع”, بدلاً من المطرقة, توحي هذه المقارنة, أن النوع الجديد من الحرب خال من أي كلفة أو من الاخفاقات, عملية جراحية من دون تعقيدات, فنهج المبضع خلق من الأعداء بقدر ما قلص منهم, وأثار الاستياء بين الحلفاء السابقين وساهم أحياناً في عدم الاستقرار حتى وهو يحاول دفع النظام الى الفوضى, وقد عطل الآليات الطبيعية لكيفية دخول الولايات المتحدة كأمة في الحرب, وحولَ الرئيس الأميركي الى الحَكَم النهائي في شأن حياة أو موت شعب معين في أرض بعيدة, وحظي هذا النوع من الحرب بنجاحات عدة بما فيها في النهاية قتل أسامة بن لادن وأتباعه المؤتمنين لديه بشدة, لكنه أدى أيضاً الى تسهيل خوض الحرب وبات من السهل الآن على الولايات المتحدة أن تنفذ عمليات قتل في أقاصي الأرض أكثر من أي زمن آخر في تاريخها.

استهداف:

لغة حرفة التجسس أخذت تتغير تدريجاً في قاموس الـ(سي. أي. ايه) وحل محلها تعبير “استهداف”, وباتت تعني مطاردة شخص يعتبر أنه يمثل تهديداً للولايات المتحدة واعتقاله أو قتله, من هذا المنطلق وحسب الكاتب, ولدت فكرة سجن أسرى الحرب الجديدة في غوانتامو, المنشأة الأميركية خارج نطاق سلطة المحاكم الأميركية والموقع المثالي الذي أوصت به الـ(سي. أي. ايه) للسجن الجديد, سجنها السري الخاص, منشأه تخضع لاجراءات أمنية قصوى أطلق عليها ضباط الوكالة اسم حقول الفراولة, لأنه افترض بالسجناء أن يبقوا فيها “الى الأبد” كما تقول أغنية البيتلز.

اذاً حرب القرن الواحد والعشرين الأولى, تحولت حسب الكاتب مازيتي الى مسألة أكثر اتساماً بالفوضى, فالوكالة التي لم يرد لها الرئيس ترومان أن تصبح جيش أميركا السري, لكن وبما أن بنداً غامضاً في قانون الأمن القومي الصادر العام 1947 يجيز للـ(سي. أي. ايه), أن تمارس وظائف ومهمات معينة متعلقة بالاستخبارات التي تؤثر في الأمن القومي.

استخدم رؤساء أميركيون سلطة العمل الخفي هذه, لارسال الـ(سي. أي. ايه) في عمليات تخريب وحملات دعاية وتزوير انتخابات ومحاولات اغتيال, مثلاً في أميركا الوسطى عملية سرية لُغِمت خلالها موانئ نيكاراغوا في عهد الرئيس ريغان.

مهمات تجسسية:

وفي حقب أخرى, شرع عملاء القيادة المشتركة للعمليات الخاصة في 2004 في الانتشار بالفعل في عمليات تجسس حول العالم في أميركا الجنوبية وأفريقيا والشرق الأوسط. ومضوا الى فرنسا في محاولة لجمع الاستخبارات عن المجموعات الاسلامية المناضلة الموجودة فيها, كذلك تمركزت بعض الفرق داخل السفارات الأميركية ودخلت فرق أخرى خلسة الى دول أجنبية وشرعت في مهماتها التجسسية, من دون معرفة السفراء, لأن فرق العمليات الخاصة مسؤولة تجاه القادة العسكريين وليس تجاه السفراء. وقال ريتشارد كلارك الذي خدم في ادارتي كلينتون وبوش بوصفه كبير مسؤولي البيت الأبيض لشؤون مكافحة الارهاب: “اننا لا نريد القيام بعمل خفي واذا قمنا بعمل خفي فنريده أن يتم بطريقة صحيحة ونظيفة ولا نريد التورط في قتل الناس, لأننا لسنا كذلك فنحن لسنا الموساد”. ويتناول الكاتب مارك مازيتي أيضاً في كتابه مرحلة “بلاكووتر” السيئة التصور في برنامج القتل الأميركي, سراً حكومياً أميركياً خاضعاً للحراسة المشددة. وقد حظر على الضابط السابق في مركز مكافحة الارهاب هانك كرامبتون حتى في تقاعده, الادلاء بتفاصيل عن الزمن الذي عمل فيه في المرحلة الأولى من البرنامج, لكنه قال في مقابلة, انه متحير لأنه “يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال تميز بين قتل الناس من مسافة بعيدة باستخدام طائرة مسلحة تطير بدون طيار وبين تدريب أشخاص على تنفيذ القتل بأنفسهم”, كما يركز على العلاقة بين الولايات المتحدة ورؤساء مصر حسني مبارك واليمن علي عبد الله صالح وآخرين, وحروب العراق وباكستان وأفغانستان واليمن وليبيا ومحاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف, على يد عبد الله العسيري, اضافة الى الجيوش الصغيرة التي أنشأها الـ(سي. أي. ايه) داخل بعض الدول والتي لها أدوارها, كالضغط على الزناد عند الحاجة أو يقومون ببعض النشاطات الشنيعة أو يستترون تحت مسميات انسانية انمائية, أو تعليمية, لكنها في الحقيقة لها مهمات جاسوسية استخبارية, سرية, مضللة, تابعة لبرنامج الطائرات التي تطير بلا طيار وهو برنامج العمل الخفي الأكثر فاعلية في تاريخ الـ(سي. أي. ايه). وحسب الكاتب, فان الرئيس الأميركي بمقدوره أن يختار اسماً من قائمة ليقتل صاحبه أينما كان. وقد تحولت الاستخبارات المركزية بعد أحداث 11 سبتمبر وبأمر من البيت الأبيض الى آلة لصيد الناس وقتلهم, ومن موقعه كمراسل للأمن القومي الى داخل مكاتب الـ(سي. أي. ايه) يكشف مارك مازيتي معلومات موثقة عن حرب من أكثر الحروب سرية في العالم وقد عرَفنا فيها على شخصيات أدت أدواراً ميدانية مدهشة في هذه الحرب السرية, من الضابط الذي يُدعى “كوفر بلاك” الذي كانت شهيته ملتهبة على صيد أسامة بن لادن, الى الضابط الذي أرسل الى المناطق القبلية ليتعلم كيفية التجسس في باكستان, الى المتعاقد مع الـ(سي. أي. ايه) الذي عوقب بالسجن في لاهور, بعد أن خرج عن سيطرة رؤسائه, هي “حروب الظل” التي نعيشها تحت شعارات مختلفة وهي أيضاً قصة تنافس حاد بين مؤسسات أميركية عملاقة ثلاث: الـ”سي. أي. ايه” والبنتاغون والبيت الأبيض.

يُذكر أن مارك مازيتي, يعمل مراسلاً للأمن القومي في صحيفة نيويورك تايمز, يحمل شهادة ماجستير من جامعة أوكسفورد, عمل في الايكونوميست, ولوس أنجليس تايمز, حاز جائزة بوليتزر للصحافة عن تقاريره الصحافية التي استهدفها العنف في باكستان وأفغانستان ونال جوائز على كشفه ما أقدمت عليه وكالة الاستخبارات المركزية من اتلاف أشرطة فيديو تصور تعذيب معتقلي “القاعدة”.

حروب الظل
في كتابه “حروب الظل” الحائز جائزة بوليتزر العالمية يقدم الصحافي والكاتب الأميركي مارك مازيتي تقارير مذهلة عن تحول الـ”سي. أي. ايه” بعد أحداث 11 سبتمبر الى آلة قتل سرية دولية. كتاب مازيتي مخيف ولابد من قراءته حسب جين ماير في ..
تحميل ..