صلاح الدين السرسي @Dr-Ssersy

2017-01-03 16:53:21 للعموم
الذكاء: تطور المفهوم والقياس:
من أهم الشخصيات التي لعبت دورا مهما في تطور مفهوم الذكاء وقياسه السير فرانسيس جالتون Sir Francis Galton (1822-1911) الذي استرعت انتباهه الفروق الفردية الشاسعة بين الناس والتي فسرها بأنها تعكس فروقا في الرصيد الوراثي لدى كل إنسان، وحاول في أعماله إثبات دور العوامل الوراثية في العبقرية. كما أن جيمس ماكين كاتل هو أول من استخدم مصطلح الاختبار العقلي Mental testفي التراث السيكولوجي في مقال نشره عام (1890) واقتصر في قياسه للاستعداد العقلي على مقاييس للقوة العضلية وسرعة الحركة والحساسية للألم وحدة البصر وغيرها.

وبعد دراسات عديدة تبين منها عدم وجود ارتباط بين الذكاء والجوانب الحسية وحجم الدماغ الأمر الذي دعى العالم الفرنسي ألفريد بينيه إلى التخلي عن كل هذا عام (1904) حينما كلفته وزارة التربية الفرنسية بإجراء دراسة ذات هدف عملي محدد ، وهو تصميم وسيلة أو أداة للتعرف على الأطفال ذوي القدرة العقلية المنخفضة ، والذين تستدعي حالتهم شكلا من أشكال التربية الخاصة ففكر في تصميم مجموعة من المهام التي تقيس الجوانب العقلية العليا ، كمهارات الفهم والاستدلال وحل المشكلات ... تتصل بجوانب الحياة اليومية مثل مهام عد العملة ، أو تقدير الوجه الأجمل بين وجهين ، أو تقديم تفسير لسلوك معين أو اختيار حل مناسب لمشكلة يواجهها الطفل في بيئته العادية . ونشر بينيه بالاشتراك مع مساعده سيمون الصورة الأولى من مقياسه عام 1905م، حيث رتب فيها المهام أو الاختبارات ترتيبا تصاعديا حسب مستوى صعوبتها. وفي عام 1908 أصدر بينيه الصورة الثانية من المقياس، وظهر لأول مرة مفهوم العمر العقلي Mental age، فإذا كان العمر العقلي أقل من العمر الزمني فإن الطفل يعتبر أقل من المتوسط، ويوزع على فصول التربية الخاصة. أما إذا كان العمر العقلي أكبر من العمر الزمني، فإن الطفل يعتبر فوق المتوسط. وفي عام 1912 اقترح عالم النفس الألماني شترن Stern قسمة – وليس طرح – العمر العقلي على العمر الزمني وضرب الناتج في 100، وهو ما أصبح يعرف منذ ذلك الحين بنسبة الذكاء intelligence quotient(IQ). واعتبر بينيه أن نسبة الذكاء هي مجرد مرشد إمبيريقي ذي هدف عملي محدود، وهو التعرف على الأطفال الذين يحتاجون إلى المساعدة وتقديمها لهم.

وبعد ثمانين عاما ً من وضع أول اختبار للذكاء وهو اختبار ستانفورد بينيه سنه(1904)، ظهر نوع من التحدي لمفهوم الذكاء التقليدي الممثل في القدرة العقلية العامة والذي يتم ترجمتها إلى معامل الذكاء (I.Q)، وهذا التحدي جاء من جانب عالم النفس (هوارد جاردن Howard Gardner) الأستاذ بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الذي بدأ في اختبار المعتقدات الشائعة حول الذكاء. وخلص إلى وجود ذكاءات متعددة وليس ذكاء واحدا وعبر عن هذه النظرية لأول مرة عام(1983) في كتاب بعنوان "أطر العقل" طه (2006). واستمر في تطويرها لما يزيد عن 20عاما بعد ذلك، "حيث توافرت لجاردنر فرصة مواتية لدراسة الذكاء بشكل منظم اعتمادا على علم النفس وعلم الأعصاب إلى الإنسانيات والفنون. ولقد لعبت هذه العوامل دوراً كبيراً في تحديد اتجاه دراسة الذكاء لدى جاردنر".

وثمة جانبان رئيسيان لنظرية جاردنر توصل إليهما من خلال هذه الخبرات: الأول أن الذكاء ليس مكونا أحادياً متجانساً فالأداء في أحد جوانب الذكاء لا ينبئ أو يحدد مستوى الأداء في الجانب الآخر، وبالتالي لا يوجد ذكاء واحد (أحادي أو متعدد) بل يوجد عدد من أنواع الذكاء التي يشكل كل منها نسقاً مستقلا خاصا به. وعلى هذا الأساس، فإن جاردنر لا يرى في هذه الأنواع المختلفة من الذكاء قدرات أو مواهب تشكل أبعاداً أو عوامل للذكاء، بل يرى أن كلا منها يشكل نوعا خاصا ومستقلا من الذكاء. وبالتالي فهناك حاجة إلى فهم هذه الأنواع المختلفة من الذكاء التي تقصر عن تقديرها اختبارات الذكاء التقليدية التي لا تقيم حسب رأي جاردنر سوى مزيج من القدرات اللغوية والمنطقية وهي القدرات الضرورية فقط لأساتذة القانون والمحامين. كما يرى جاردنر أن أنواع الذكاء تتفاعل فيما بينها. فمع الاستقلال والتمايز لكل نوع من أنواع الذكاء فهي تعمل معا للقيام بمهام الحياة المختلفة. فحل مشكلة رياضيات مثلا يتطلب تعاونا من الذكاء اللفظي والذكاء المنطقي والرياضي. وعلى هذا فإن الناس يختلفون ليس فقط في مستوى كل نوع من أنواع الذكاء لديهم، ولكن في طبيعة العلاقة بين هذه الأنواع، بحيث يمكن القول إن كل إنسان لديه بروفيل عقلي خاص به. وقد قدم جاردنر دراسات حول الأشخاص ذوي البروفيلات العقلية المتميزة فدرس المبدعين (Gardner، H. 1995). القادة وذوي الإنجازات المتميزة.

وبناءً على هذا حدد جاردنر الذكاء بأنه:"إمكانية حيوية نفسية لمعالجة المعلومات يمكن تنشيطه في سياق ثقافي لحل مشكلات أو خلق منتجات ذات قيمة في هذا السياق الثقافي. وهو يتفق في ذلك مع ما ذهب إليه ستيرنبرج الذي قدم رؤية ثلاثية جديدة للذكاء تفسره بطريقة أشمل مما قدمته نظريات الذكاء التقليدية، وتذهب إلى أبعد مما تقيسه اختبارات الذكاء أو التحصيل. هذه النظرية في رأينا تحمل العديد من المضامين التربوية ليس فقط في مجال اكتشاف الموهوبين ورعايتهم وإنما أيضاً في مجال التعليم والتعلم بشكل عام.

ولهذه النظرية مقال قادم.
تحميل ..