هشام العقلي @iHicham

2016-10-29 22:17:04 منشور معدل للعموم
بئر بلا سور ولاء ..
طمروا البئر القديم .. ثم حفروا بئرا آخر جديدا، بلا سور وبلا دلاء .. لم ألاحظ ذلك إلا بعد يومين من قدومي .. كل شيئ شاحب ومغبر، الشجر والحجر، الطيور والدواب، والكلاب الوديعة، بل وحتى الوجوه ..
في مكان آخر، وقبل قرابة الأسبوع، كان الجسد النحيل، الذي استحال جلدا على عظم، ممددا على سرير مهترئ .. الوجه شاحب كأوراق الخريف، القلب يرجف، في سباق، كان الأخير، مع الموت .. ثم تلك النظرة، بعينين مفتوحتين بالكاد إلى الربع .. تلك النظرة، كانت الأخيرة ..
كيف لي إذ ذاك أن أعرف أنها الأخيرة!؟ .. 
- تعال وابن بيتا هنا!
- حسنا، سأفعل ذلك حتما ..
فتطمئن.
- أريد أن أبني بيتا من الطين، بسقف من قصدير .. 
يضحكون!..
- أنت مجنون، من بربك يبني في أيامنا هذه بيوتا من الطين !!
- لا أعرف، كل ما أعرفه أني أحب البيوت ذات الجدران الطينية .. وأحب أكثر وقع قطرات المطر على السقوف القصديرية .. هذا كل ما في الأمر ..
لا أحد فهم شيئا مما قلت .. ولا حتى أنا .. كل شيئ وهم .. كل شيئ ضباب ..
- ماذا تريدين أن أهديك هذه المرة ؟ .. حسنا، سأجلب لك معي الكثير من الشوكولاتة الفرنسية..
- الشوكولاتة ؟ .. أحضر بدل ذلك الكثير من المال .. تجيب مازحة وهي تضحك ..
..
اللعنة على المال ..
وهل كل هذا العناء على أعتاب الأغبياء المهندمين إلا من أجل المال ..
هناك في ماراء البحر، يجلس المهندم بوقار زائف في قاعة الإجتماعات .. يثبت نظره إلي ثم يردف :
- أنت لا تصلح لهذه المهنة .. لهذا سنفسخ عقدك مع الشركة ..
ضحكت بفضاضة أزالت عنه هالة وقاره الزائف .. لكن في داخلي كنت أعرف أنه صادق .. أنا في الحقيقة لا أصلح لهذه المهنة .. ولا لغيرها .. مهنتي الوحيدة التي أتقنها هي التمدد مستسلما للزمن، كي ينهشني ببطء .. مشكلتي الوحيدة هي أن المهنة التي أتقنها لا تصنع مالا .. وبدون المال لا يمكنك أن تبني بيتا طينيا بسقف من قصدير ولا أن تحفر بئرا ولا حتى أن تهدي شوكولاتة فرنسية لمن تحب ..
الكل راحلون .. والموت مجاني، على الأقل ليس عليك أن تدفع مالا لتأخذ نصيبك الكامل منه .. لا ينغص وقار الموت ويفسد هيبته إلا تلك المسرحيات التي تسمى جنائزا .. لاشيء جيد في الجنائز .. إلا كونها فرصة للبكاء .. تلك اللحظة، حينما تختلط عليك الأمور فلا تدري إن كنت تبكي من لوعة الفراق الأبدي أم تبكي، وقد أتيحت لك الفرصة أخيرا، على نفسك الحاضرة، أم على نفسك السابقة بكل الأثقال التي تطوح بها، أم على نفسك المستقبلية، تلك التي سيلتهمها هذا الناموس نفسه كما سيلتهم كل من تحب ..
بئر جديد هناك، بلا سور ولا دلاء، حيث كل شيئ مغبر وبائس .. وبداية أخرى هنا من المربع الأول، كبئر جديد للغرق .. و ركض بائس لا ينتهي بين ناطحات السحاب والمكاتب الأنيقة، بلا روح، بلا قضية، وبلا أية غاية ..
ما أشبه الأشياء بالأشياء!، واليوم بالبارحة! .. ما أشبه هنا بهناك !..

تحميل ..
Samia Ashmawy @samiaashmawy
رائعة ببساطة الوصف الدقيق كغلالة تشف ملامح احزاننا وواقعنا المهتريء الذي لايستر عورة ضميرنا الاعوج
2016-11-21 15:39:52 1